الشيخ باقر شريف القرشي

13

حياة الإمام زين العابدين ( ع )

ونظرا لسمو شخصيته العظيمة ، وما له من الأهمية البالغة في نفوس المسلمين فقد سارعت كثير من الفرق الإسلامية إلى القول بأنه منها ، فالمعتزلة التي تعد من أكثر الفرق الإسلامية تخصصا في البحوث الكلامية ، قد عدوه - باعتزاز وشرف - منهم « 1 » واحدا . كما ادعت الصوفية أنه من أعلامهم ، وترجموا له في موسوعاتهم « 2 » . - 13 - وكان المسلمون يرون في سيرة الإمام زين العابدين عليه السلام تجسيدا حيا لقيم الإسلام وامتدادا مشرقا لجده الرسول الأعظم ( ص ) ، فهو يحكيه في منهجه وسيرته ومآثره وقد ملك القلوب والعواطف بأخلاقه الرفيعة ، وكانوا لا يرون غيره أهلا لقيادتهم الروحية والزمنية ، وكانوا يزدرون بملوكهم الأمويين الذين لم تتوفر فيهم أية نزعة من نزعات الفضيلة ، وقد دلل على ذلك ما حدث في البيت الحرام في موسم الحج ، وكان مزدحما بالوفود من كل حدب وصوب ، فأطل عليهم الإمام ليطوف بالبيت ، وكأنما أطل عليهم النبي ( ص ) ، فصعّدوا تهليلهم وتكبيرهم وازدحموا عليه كازدحامهم على الحجر الأسود فكان السعيد منهم من يلمس ثيابه أو يقبل يديه ، أو يأخذ التراب من تحت أقدامه للتبرك به ، في حين أن خصمه هشام بن عبد الملك عميد الأسرة الأموية كان من جملة الحجيج ، الا أنه لم يعن به أي أحد ، وقد خف إليه أهل الشام يسألونه عن هذا الرجل العظيم الذي قابله الجمهور بهذه الحفاوة والتكريم ، فأنكر الطاغية معرفته لئلا يزهد فيه أهل الشام ، فانبرى شاعر البلاد الأموي الفرزدق ، وعرفه للجماهير برائعته الخالدة التي مثلت وعي الفكر ويقظة الضمير ، وقد استحال البيت الحرام إلى سوق عكاظ ، وتعالت من جميع جنبات المسجد الهتافات بإعادة لرائعة الفرزدق والدعاء له ، وقد تميز هشام غيضا ، وانتفخت أوداجه .

--> ( 1 ) طبقات المعتزلة ( ص 15 - 16 ) . ( 2 ) حلية الأولياء 3 / 172 .